مجد الدين ابن الأثير
438
المختار من مناقب الأخيار
قال طاوس : فقمت في أثره ، وقلت : الرجل حكيم . فأتى البيت فتعلّق بأستاره ، ثم قال : اللهمّ بك أعوذ ، وبك ألوذ ، اللهمّ اجعل لي في اللّهف إلى جودك ، والرّضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين ، وغنى عمّا في أيدي المستأثرين ، اللهمّ فرجك القريب ومعروفك القديم ، وعادتك الحسنة . ثم ذهب في الناس فرأيته عشيّة عرفة وهو يقول : اللهمّ ، إن كنت لم تقبل حجّي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بتركك القبول منّي . ثم ذهب في الناس ، فرأيته غداة جمع « 1 » ، وهو يقول : وا سوأتاه منك واللّه وإن عفوت . يردّد ذلك « 2 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال ذو النّون : وصف لي رجل باليمن قد برز على الخائفين ، وسما على المجتهدين ، وذكر لي باللّبّ والحكمة . فخرجت حاجّا ، فلمّا قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع كلامه ، وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معي يطلبون منه مثل ما أطلب ، وكان معنا شابّ عليه سيماء الصالحين ، ومنظر الخائفين ، وكان مصفارّ الوجه من غير مرض ، أعمش العينين من غير عمش ، ناحل الجسم من غير سقم ، يحبّ الخلوة ، ويأنس بالوحدة ، تراه أبدا كأنّه قريب العهد بالمصيبة ، فخرج إلينا فجلسنا إليه ، فبدأ الشابّ بالسلام عليه ، وصافحه ، فأبدى له الشيخ البشر والترحيب ، ثم سلّمنا عليه ، فقال الشابّ : إنّ اللّه بمنّه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب ، ومعالجا لأوجاع الذّنوب ، وبي جرح نغل ، وداء قد استكمل ، فإن رأيت أن تتلطّف لي ببعض مراهمك ، وتعالجني برفقك . فقال له الشيخ : سل ما بدا لك
--> ( 1 ) غداة جمع : في غداة يوم من أيام منى . انظر معجم متن اللغة ( جمع ) . ( 2 ) صفة الصفوة 2 / 298 ، 297 ، روض الرياحين 285 ( الحكاية : 223 ) .